أبي طالب المكي
63
علم القلوب
العلم ، ولم يلجأوا إلى ركن وثيق ، فهؤلاء الذين خلاهم الرسول من الخير ، فقال في حكمه صلى اللّه عليه وسلم : « العالم والمتعلم شريكان في الأجر ، ولا خير في سائر الناس بعدهم » ، فهم الذين وصفهم علي بن أبي طالب ، رضى اللّه عنه ، نعوذ باللّه من الجهل . قال أبو طالب : والهمج هو الفراش يقتحم ضوء النهار ، فيتهافت فيها فيحترق ويتلاشى ، واحده همجية . قال سهل : خصلة واحدة ، من نجا في الدنيا من الجهل نجا في العقبى من النار . قال سهل : فتشت المعاصي كلها ، فلم أر فيها معصية أعظم من الجهل ، قيل : فهل شئ أعظم من الجهل ؟ قال : نعم ، الجهل بالجهل ، وأنشد في معناه : إذا أنت لا تدرى ولا أنت عالم * بقول الذي يدرى فحتى متى تدرى ومن أعظم البلوى بأنك جاهل * وأنك لا تدرى بأنك لا تدرى وقال ابن وهب : ذكر طلب العلم عند مالك بن أنس ، فقال : إن طلب العلم لحسن ، وإن العمل بالعلم أحسن ، وإن نشر العلم لحسن إذا صحت لك فيه النية ، ولكن انظر ما يلزمك من حين تصبح إلى أن تمسى ، وحين تمسى إلى أن تصبح ، فلا تؤثرون على ذلك شيئا « 1 » ، فإذا فعلت ذلك فأنت الحكيم العالم . وقال سهل : بعد ثلاثمائة سنة لا يحل للرجل أن يعلم هذا [ العلم ] ، إلا أنه يحدث قوم يتصنعون للخلق ويتزينون للكلام ، ويتعاطون للسلام ، تكون مواجيدهم لباسهم ، وحليتهم كلامهم ، ومعبودهم بطونهم . قال أبو طالب المكي : كل نوع من العلوم يتأتى بذله ونشره لمنافق ، أو مبتدع ، أو مشرك ، إذا رغب فيه ، إلا علم الإيمان والمعرفة واليقين ، فإنه لا يتأتى ظهور مواجيده ، وكشف مشاهداته ، والكلام في حقائقه ، إلا لمؤمن وموقن ؛ لأن ذلك عهدة عند الأولياء من عباده ، ووديعة عند الخواص من خلقه ، وعهدة لا ينال الظالمين ، ووديعة لا تكون وجودا للمبطلين ، وخسر هنالك المبطلون . وقال بعض العارفين : من لم يكن له نصيب من هذا العلم أخاف عليه سوء الخاتمة .
--> ( 1 ) أي ما يلزم الإنسان من فرائض وسنن ومندوبات من أول النهار إلى آخره ، كالصلاة ، والتسبيح ، والذكر ، وتلاوة القرآن ، ونوافل الخير كلها .